محمد الأحمد: إعاقتي أول درجة على سلم العطاء | مجلة العمل مع اللاجئين

من المعتقل إلى داخل الحدود

"إعاقتي كانت أول درجة لي في سلم العطاء، وشهادتي الأكاديمية علمتني ألّا أكون عالةً على أحد، وإيماني بالله ودعم عائلتي لي وبالأخص زوجتي التي أكن لها كل الفضل كانا دافًعًا قويًا لي للاستمرارية والبدء بحياة معالمها جديدة في بلدي الثاني: الأردن".

كانت هذه هي العبارات التي قالها لنا الدكتور محمد الأحمد، لاجئ سوري يحمل شهادة دكتوراه في هندسة الكمبيوتر في البرمجة والشبكات، جاء إلى الأردن بصحبة عائلته هربًا من مرارة الظلم وبراثن المعتقل الذي لم يرحم كرامته الإنسانية ولا جسده جراء الإهانة والتعذيب.

محمد الأحمد الذي كان يعمل في وظيفة حكومية في وطنه سوريا حيث كان يشغل منصب مدير امتحانات عامة تعرض للاعتقال في بلده زورًا وبهتانًا في نهاية العام 2011 عندما أخذ من منزله إلى أحد السجون مدة ثمانية شهور ونصف شهد خلال هذه الفترة أيامًا عصيبة لا تنسى بسبب أنواع التعذيب والتي كان على رأسها التعذيب بالكهرباء. هذا التعذيب المستمر آنذاك جعل منه شخصا من ذوي الإعاقة عندما شُلّت قدمه اليمنى وانفجرت إحدى كليتيه وتضررت معدته، إضافةً إلى فقدانه جزءًا من ذاكرته بسبب الصعقات الكهربائية التي كانت تُسلط على رأسه مباشرةً.

تمر الأيام ثقيلة موجعةً لا يمكن احتمالها، ويذوي الجسد شيئًا فشيئًا إلى أن يجيء أمر الله نافذًا فيفرج عن محمد بأعجوبة لتطأ قدمه أرض الأردن تماماً بعد خمسة أيام من نيله الحرية. لقد كانت رحلة المسير نحو الأمان، إلا أن محمد لم يكن يقوى على هذا المسير ليعبر الحدود، كان جسده منهكًا ورجله معطلة، فما كان من زوجته إلا أن تقطع المسافات مع أولادهما السبعة حاملة زوجها على ظهرها، تجره ونفسها جرًا بحثًا عن الحياة، مجسدةً أعلى درجات القوة التي يمكن لامرأة أن تتحلى بها وأسمى درجات والوفاء.

يقول الدكتور محمد لمجلة العمل #مع_اللاجئين بعد أن وجه شكره لجلالة الملك عبدالله الثاني وللشعب الأردني وللحكومة: "الشكر الكبير للجيش الأردني، ركضوا علي وحملوني لما شافوا زوجتي تحملني عند الحدود وحولوني مباشرة لمخيم الزعتري بسيارة إسعاف وتابعوا حالتي الصحية، وخلال أربعة أيام أصدروا لي تصريح لاستكمال العلاج خارج المخيم". 

 

حياتي كلاجئ من ذوي الإعاقة... حياتي في الأردن

بعد وصول محمد إلى الأردن بدأت ملامح جديدة لحياته وحياة أسرته بالتشكل، لم تكن هذه الملامح سهلة الظهور إلى الحياة؛ كان الألم والحاجة وصعوبة التأقلم وخصوصًا مع وضع محمد الصحي الجديد صعبًا للغاية، إلا أنه وبحسب ما قال استطاع أن ينهض من جديد بفضل الله أولا وبفضل دعم زوجته النفسي له وإصرارها على أن يتم محمد ممارسة حياته بشكل طبيعي متناسيا كل ما يدور في رأسه من ألم و عقبات محتملة في ظل ظروفهم الجديدة.

ومن هنا بدأ محمد رحلته الجديدة في الأردن بدأت في البحث عن أي عمل ممكن يسد به جوع أولاده ويعيل زوجته؛ بدأ محمد أولى خطواته في التطوع في جمعية في محافظة المفرق كمدخل بيانات ليحصل على قدر بسيط من المال كمكافأة على جهده وتعبه، ومن ثم انخرط في التطوع في جمعيات مختلفة أخرى، صار من خلالها قادرّا على تنظيم حملات مختلفة تختص باللاجئين وعلى رأسها الحملات الطبية عن طريق التنسيق مع وفود أجنبية مختلفة يقدم لهم التسهيلات من خلال الإشراف على الأمور اللوجستية وعلى تنسيق الوقت وتنظيم الحشود. يقول محمد: "لقد كونت شبكةً اجتماعيةً ممتازة مع اللاجئين أولاً ومع الأفراد من ذوي الإعاقة ثانيا من الجنسيتين السورية والأردني، وصرت قادرا على التواصل معهم لتأمينهم بالمستلزمات الطبية الضرورية الممكنة التي قد تساعدهم في تجاوز الصعوبات التي قد تسببها إعاقتهم من خلال العلاقات الطيبة التي كونتها مع المؤسسات المانحة والمتطوعين". كما حاول محمد أيضًا أن يستثمر العلوم الحاسوبية التي يملكها، فعمل كمدرب للحاسوب في منظمة ميرسي كور.

 

نقطة التحول

لعل نقاط التحول في حياة الدكتور محمد الأحمد كثيرة لكثرة المحطات المفصلية في حياته بعد اندلاع الأزمة السورية، إلا أن أبرز هذه النقاط بدأت بالبزوغ عندما قرر هو وجاره الأردني في منطقة الحمرا في محافظة المفرق إطلاق مبادرة مجتمعية حملت عنوان "يدا بيد لمحو ثقافة الأنا بين الضيف والمضيف". جاءت هذه المبادرة بدأ شعور أهل المنطقة بنشوب النعرات التي من شأنها أن تزعزع التماسك المجتمعي الذي اعتاد عليه الأردنيون والذي عرف محمد قيمته بعد ما حل بوطنه سوريا من حرب أهلية قضت على أرواح وأحلام الكثيرين. يقول محمد: " بدأت المبادرة صغيرة على قد المنطقة، بدأتها مع جاري الأردني لأننا أخوة، إحنا أخوة في الدين والأرض والدم". وفعلا بدأ محمد وجاره يقطفون ثمار مبادرتهم وخصوصًا بعد مرور أربعة شهور من إطلاق المبادرة، فصار السوريون في المنطقة والأردنيون يتشاركون الأفراح والأتراح والسهرات الجميلة، وكما شهد سكان المنطقة حالات مصاهرة جسدت أروع أمثلة الاندماج والوحدة المجتمعية. ثم ما إن ذاع صيت هذه المبادرة في المناطق المجاورة حتى وصلت محافظة إربد وصولًا إلى قرية عقربا هناك.

ولم ينسَ محمد أنه صار جزءًا لا يتجزأ كذلك من مجتمع ذوي الإعاقة، فحرص على بناء قاعدة قوية معهم ليعمل جاهدًا على دمجهم في المجتمع، وقد قام بتعزيز هذه القاعدة الاجتماعية انضمام أحمد إلى مشروع لجان الدعم المجتمعي المنفذ من قبل الصندوق الأردني الهاشمي والممول من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث أصبح محمد عضوًا ومتطوعًا في لجنة المفرق المجتمعية التي تعمل بكل إمكاناتها على حماية اللاجئين من خلال دمجهم مع المجتمع المستضيف. ويقول الدكتور في هذا الصدد: لقد قامت السيدة وداد الشريدة مديرة مركز الأميرة بسمة المجتمعي في المفرق والتي لا أنسى فضلها بدعوتي على إفطار رمضاني لذوي الإعاقة كمستفيد، وهناك أخبرتها وزملائها عن رغبتي بأن أنضم للجنة كمتطوع، وهي من وفرت لي كل الدعم لأكون ضمن هذه اللجنة".

لقد صار الدكتور محمد معروفًا على مستوى منطقته في المحافظة، هو لا يعتبر مرجعًا للسوريين فقط، بل للأردنيين كذلك، كما يشكل حلقة وصل بين ذوي الإعاقة وبقية الفئات المجتمعية الأخرى يستمع لهم وينقل شكواهم ومطالبهم للمنظمات وأصحاب العلاقة ممن يقدرون على تقديم المساعدة.

اليوم، لا يزال الدكتور محمد الأحمد يعاني ظروفًا صعبةً ربما يعاني منها معظم اللاجئين في كل بقاع الأرض، لعلّ أولها تردي الأوضاع الاقتصادية وشح المورد المالي الذي يستطيع كسبه ليدخل به على عائلته ويحقق لهم كفاف العيش وكرامته. هذا ما جعله اليوم دؤوبًا في كسب المزيد من المعرفة ليتعلم عبر الإنترنت مهارة صناعة الأواني والتحف المنزلية عن طريق استخدام مواد بسيط كالحبال والقش والقصب ليبيعها ويطعم أولاده.

يقول الدكتور محمد الذي يبلغ اليوم من عمره خمسة وخمسين عاما، والذي لم يتوانَ أبدًا في ترديد عبارات الحمد والثناء على الله الذي يحمد على كل حال في نهاية سرده لقصته لمجلة العمل #مع_اللاجئين: "لم يتبقَّ لي اليوم من الأمنيات سوى أمنية بسيطة وهو أن أجد جهةً ما بمقدورها أن تساعدني وتمدني بتمويل بسيط علّني أستطيع استئجار محل صغير أعمل به ضمن نطاق شهادتي العلمية وإمكاناتي كي أستطيع أن أحيا وأسرتي الحبيبة بكرامة وسلام بعيدا عن العوز والحاجة التي تنهش أجساد اللاجئين".