إيهاب قهواتي: يجمع شغف العطاء بالريادة | مجلة العمل مع اللاجئين

الكثير من الحكايات والقصص التي تسطر نجاحات كبيرة تأتي من لب الطموح والجد والاجتهاد، وكثير منها يولد من رحم الإنسانية والشعور بالآخرين، ولعل قصة إيهاب قهواتي الشاب السوري الذي عاش والداه في الأردن منذ ما يقارب ثلاثة عقود وأقاموا فيها كمقيمين لا كلاجئين هي واحدة من القصص الملهمة التي سطرت مع مجتمع اللجوء نجاحًا يضرب به المثل في مبدأ التكافل الاجتماعي والشعور بالغير.

إيهاب شاب عشريني درس على مقاعد الدراسة الأردنية منذ صفه الأول كطالب من طلابها إلى أن دخل الجامعة لدراسة علم الحاسوب، وتخرج منها في العام 2017. أثبت على مر السنوات الأربعة التي عمل ولا يزال يعمل بها أن العطاء نعمة أهم من الأخذ، وأنها البوابة الأولى للارتقاء والتطور والنجاح.

يقول إيهاب عن تخرجه: "من أحلى أيام حياتي كان يوم تخرجي، لكن فرحتي كانت ناقصة لأني كنت عارف إني رح أتغلب كتير حتى ألاقي شغل وكنت أسمع دائما عبارات محبطة من أقاربي وأصدقائي وأقرب الناس إلي زي ما رح ألاقي شغل لأنه ما عندي خبرة، أو أنه أنا شخص سوري الجنسية ومستحيل ألاقي شغل لأنه ابن البلد مو لاقي شغل".

ولأن إيهاب كان لديه شغف كبير بكل ما يخص الحاسوب وعلوم البرمجة والإلكترونيات، فقد قاده شغفه إلى الالتحاق بمختبرات الابتكار الموجودة في مراكز الأميرة بسمة كمتطوع شغوف يقوم بتدريب الأطفال على كيفية إنشاء مشاريع إلكترونية صغيرة بعد أن قام أحد أصدقاء الجامعة المقربين له بإرشاده إلى هذه المختبرات، انتقل إيهاب بعدها إلى تدريب فئة الشباب، حيث عني بتدريبهم على مواضيع تتعلق بالتكنولوجيا الحديثة وريادة الأعمال لمدة عام كامل. وهناك قرر إيهاب أن يطلق مبادرة خاصةً أطلق عليها اسم " إبتكرجو" تقوم فكرتها على تدريب شباب وشابات على التكنولوجيا الحديثة وريادة الأعمال، إضافةً إلى تعليمهم كيفية عمل مشاريع صغيرة باستخدام تقنية إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي ومن ثم تحويلها إلى مشاريع ريادية ذات فائدة مجتمعية واقتصادية على المدى الطويل، مدعمًا هذه المبادرة بالخبرة التطوعية التي اكتسبها من مختبرات الابتكار.

استطاع إيهاب أن يدرب أكثر من 600 شاب وشابة مجانًا ودون أي مقابل من خلال تقديم 24 تدريب مختلف لشباب من جنسيات مختلفة سواء كانوا مواطنين أردنيين أو مقيمين أو لاجئين. وفي عام 2019 قام إيهاب مع الفريق الشاب الذي شكله معه خلال العامين المنصرمين بعمل مسابقة ابتكارية تنافسية تجمع طلاب الجامعات المبتكرين لعمل مشاريع تقنية مختلفة وذلك بالتعاون مع منصة زين للإبداع والبنك الأهلي أطلق عليها اسم "هاكاثون إبتكرجو".

استطاع إيهاب بعدها أن ينتقل نقلةً نوعية من المجال التدريبي التكنولوجي البحت إلى المجال الإنساني وتحديدًا العمل مع المجتمعين المحلي واللاجئ، ساعده في ذلك العلاقات الجيدة التي شكلها من مبادرته والمسابقة التي أسسها. لتُفتح لإيهاب أول بوابات العمل المنتظم والرسمي ويخطو أولى خطواته في العمل في المؤسسات العاملة في المجال الإنساني وخصوصًا تلك التي تعمل على خدمة وتحسين وضع اللاجئين في الأردن؛ فبدأ بالعمل بشكل رسمي مع منظمة "أوكسفام" ؛ عمل فيها على إعطاء تدريبات تتعلق بالمهارات الوظيفية لشباب مناطق الشمال من أردنيين وسوريين، في وقت متزامن مع دراسته عن بعد لأحد التخصصات التي طرحتها منظمة كايرون للحصول على شهادة جديدة، وبعد حصوله على تلك الشهادة بتيسير من هذه المنظمة قرر أن يتطوع لديهم فصار يلتقي بالكادر الوظيفي والطلاب بشكل دوري ليبني معهم علاقات مهنية وأخوية يساعدهم من خلالها على تيسير أمورهم الدراسية ويعزز لدى الطلاب ذوي الجنسيات المختلفة الأردنيين واللاجئين شغفهم في استكمال مسيرتهم الأكاديمية بشكل صحيح بغض النظر عن العقبات المختلفة التي قد يواجهونها، ومن ثم حصل وظيفة رسمية هناك بمسمى "مشرف تدريبات"، وحاليا "مسؤول دعم للطلاب".

 

تعتبر قصة إيهاب قصة ملهمةً تبث في كل من يقرأها عبقًا إيجابيًا يفوح من لب التكافل الاجتماعي والاندماج المجتمعي والعلاقات الأصيلة التي تربط الأردن بسوريا منذ عقود من الزمان. سوريا التي استقبلت على مر سنوات طلابًا أردنيين درسوا على مقاعدها وفي جامعاتها وبدأوا أولى نجاحاتهم من هناك، كما استقبلت أعدادًا كبيرة من العائلات الأردنية كزوار وسياح ليشتموا نسائمها ويشربوا من مياهها، تماما كما هو حال الكثير من السوريين الذين لجأوا إلى الأردن إبان الأزمة السورية، وآخرون سكنوها منذ سنوات كثيرة مضت أسسوا فيها مصالح لهم وكونوا عائلات محترمة عريقة عاشت جنبا إلى جنب مع الأردنيين ليكبر أولادهم معًا ويضربون في البلاد لكسب الرزق ومساعدة الغير والعمل الدؤوب في رفع مكانة الإنسان أيًا كان.